علي بن أحمد المهائمي

387

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

ثم استشعر سؤالا بأنه كيف يكون قوله : « لأمحونّ اسمك عن ديوان النبوة » « 1 » عناية مع أنه وعيد بمحو رتبة النبوة التي كانت له مع الولاية إذ غاية العناية على ما ذكر ؟ ثم إنه نقله إلى محض الولاية . فأجاب بأن المحو لا بدّ من وقوعه في حقّ الأنبياء بعد الموت ، فمرجعهم إلى محض الولاية مع أنها لا تنزل لهم عن حالهم ، فذلك بتكميل ولايتهم ، وجعلها أتم مما كانت لهم مع النبوة ، وإن كانت ولاية النبيّ حال نبوته أكمل من ولاية كل ولي غير نبي ، إذ لا نهاية لمراتب القرب من اللّه . [ واعلم أنّ الولاية هي الفلك المحيط العامّ ، ولهذا لم تنقطع ، وله الإنباء العامّ ، وأمّا نبوّة التّشريع والرّسالة فمنقطعة ، وفي محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم قد انقطعت ، فلا نبيّ بعده مشرّعا أو مشرّعا له ولا رسول وهو المشرّع ، وهذا الحديث قصم ظهور أولياء اللّه ؛ لأنّه يتضمّن انقطاع ذوق العبوديّة الكاملة التّامّة ، فلا ينطلق عليه اسمها الخاصّ بها ؛ فإنّ العبد يريد ألا يشارك سيّده وهو اللّه في اسم ؛ واللّه لم يتسمّ بنبيّ ولا رسول ، وتسمّى بالوليّ واتّصف بهذا الاسم ؛ فقال : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا [ البقرة : 257 ] ، وقال : وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ [ الشورى : 28 ] ، وهذا الاسم باق جار على عباد اللّه دنيا وآخرة . فلم يبق اسم يختصّ به العبد دون الحقّ بانقطاع النّبوّة والرّسالة ، إلّا أنّ اللّه لطيف بعباده ، فأبقى لهم النّبوّة العامّة الّتي لا تشريع فيها ، وأبقى لهم التّشريع في الاجتهاد في ثبوت الأحكام ، وأبقى لهم الوراثة في التّشريع ؛ فقال : « العلماء ورثة الأنبياء » « 2 » ، وما ثمّة ميراث في ذلك إلّا فيما اجتهدوا فيه من الأحكام فشرعوه ، فإذا رأيت النّبيّ يتكلّم بكلام خارج عن التّشريع ؛ فمن حيث هو وليّ عارف ، ولهذا ، مقامه من حيث هو عالم ووليّ أتمّ وأكمل من حيث هو رسول أو ذو تشريع وشرع ] . وقدّم لبيان ذلك مقدمة ؛ فقال : ( واعلم أن الولاية هي الفلك المحيط ) بالكمالات ( العامة ) للموجودات الكاملة ، حتى أن كل مؤمن ولى من وجه ، وإن لم يسم بذلك عرفا لدنو رتبة في ذلك إن كان من العوام ، وكذا كل نبي ورسول وولي ، وإن لم يسم بذلك لعدم ظهوره به في العموم ، واللّه تعالى قد يسمى بذلك ؛ ( ولهذا ) أي : ولإحاطتها بالكمالات ( لا تنقطع ) لعدم تناهي الكمالات ، وانقطاع ما لا نهاية له محال ولعمومها الأنبياء الأولياء ( لها الإنباء العام ) للأنبياء الأولياء عن حقائق الموجودات ، وإن اختص بعضهم ببعض الحقائق

--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) رواه أبو داود ( 7 / 317 ) ، والترمذي ( 1 / 126 ) ، وابن ماجة ( 1 / 81 ) .